أبي حيان الأندلسي
527
البحر المحيط في التفسير
شهرا واحدا كاملا ، ونصب شهر جائز ، ولكنه لم يقرأ به فيما أعلم . وقرأ ابن أبي عبلة : غدوتها وروحتها على وزن فعلة ، وهي المرة الواحدة من غدا وراح . وقال وهب : كان مستقر سليمان ، عليه السّلام ، بتدمر ، وكانت الجن قد بنتها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأشقر ، وفيه يقول النابغة : ألا سليمان قد قال الإله له * قم في البرية فاصددها عن العبد وجيش الجن إني قد أذنت لهم * يبنون تدمر بالصفاح والعمد ووجدت أبياتا منقورة في صخرة بأرض يشكر شاهدة لبعض أصحاب سليمان ، عليه السلام ، وهي : ونحن ولا حول سوى حول ربنا * نروح من الأوطان من أرض تدمر إذا نحن رحنا كان ريث رواحنا * مسيرة شهر والغدو لآخر أناس أعز اللّه طوعا نفوسهم * بنصر ابن داود النبي المطهر لهم في معاني الدين فضل ورفعة * وإن نسبوا يوما فمن خير معشر وإن ركبوا الريح المطيعة أسرعت * مبادرة عن يسرها لم تقصر تظلهم طير صفوف عليهم * متى رفرفت من فوقهم لم تنشر انتهى ما حكى وهب . وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ : الظاهر أنه جعله له في معدنه عينا تسيل كعيون الماء ، دلالة على نبوته . قال قتادة : يستعملها فيما يريد . وعن ابن عباس ومجاهد والسدي : أجريت له ثلاثة أيام بلياليهن ، وكانت بأرض اليمن . قال مجاهد : سالت من صنعاء ، ولم يذب النحاس فيما روي لأحد قبله ، وكان لا يذوب . وقالت فرقة : المعنى أذبنا له النحاس على نحو ما كان الحديد يلين لداود ، عليه السّلام . قالوا : وكانت الأعمال تتأتى منه ، وهو بارد دون نار ، وعين بمعنى الذات . وقالوا : لم يكن أولا ذاب لأحد قبله . وقال الزمخشري : أراد بها معدن النحاس نبعا له ، كما ألان الحديد لداود ، فنبع كما ينبع الماء من العين ، فلذلك سماه عين القطر باسم ما آل إليه ، كما قال : إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً « 1 » . ويحتمل مَنْ يَعْمَلُ أن يكون في موضع نصب ، أي وسخرنا من الجن من يعمل ، وأن يكون في موضع رفع على الابتداء ، وخبره في الجار والمجرور قبله بِإِذْنِ رَبِّهِ لقوله : وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا . وقرأ الجمهور : يزغ مضارع زاغ ، أي ومن
--> ( 1 ) سورة يوسف : 12 / 36 .